فخر الدين الرازي
474
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة واللباس الخشن ، والاعتزال عن النساء والتعبد في الغيران والكهوف ، عن ابن عباس أن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام غير الملوك التوراة والإنجيل ، فساح قوم في الأرض ولبسوا الصوف ، وروى ابن مسعود أنه عليه السلام ، قال : « يا ابن مسعود : أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة ، كلها في النار إلا ثلاث فرق ، فرقة آمنت بعيسى عليه السلام ، وقاتلوا أعداء اللَّه في نصرته حتى قتلوا ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال ، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين ، فلبس العباء ، وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً إلى آخر الآية » . المسألة الخامسة : لم يعن اللَّه تعالى بابتدعوها طريقة الذم ، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ، ولذلك قال تعالى بعده : ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ . المسألة السادسة : رَهْبانِيَّةً منصوبة بفعل مضمر ، يفسره الظاهر ، تقديره : ابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، وقال أبو علي الفارسي : الرهبانية لا يستقيم حملها على جَعَلْنا ، لأن ما يبتدعونه هم لا يجوز أن يكون مجعولا للَّه تعالى ، وأقول : هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين ، ومن أين يليق بأبي على أن يخوض في أمثال هذه الأشياء . ثم قال تعالى : ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ أي لم نفرضها نحن عليهم . أما قوله : إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ ففيه قولان : أحدهما : أنه استثناء منقطع . أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان اللَّه الثاني : أنه استثناء متصل ، والمعنى أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه ابتغاء مرضاة اللَّه تعالى ، والمراد أنها ليست واجبة ، فإن المقصود من فعل الواجب ، دفع العقاب وتحصيل رضا اللَّه ، أما المندوب فليس المقصود من فعله دفع العقاب ، بل المقصود منه ليس إلا تحصيل مرضاة اللَّه تعالى . أما قوله تعالى : فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ففيه أقوال : أحدها : أن هؤلاء الذين ابتدعوا هذه الرهبانية ما رعوها حق رعايتها ، بل ضموا إليها التثليث والاتحاد ، وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدا عليه الصلاة والسلام فآمنوا به فهو قوله : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ، وثانيها : أنا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة اللَّه تعالى ، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال لكن لا لهذا الوجه ، بل لوجه آخر ، وهو طلب الدنيا والرياء والسمعة وثالثها : أنا لما كتبناها عليهم تركوها ، فيكون ذلك ذما لهم من حيث إنهم تركوا الواجب ورابعها : أن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمدا عليه الصلاة والسلام ، ولم يؤمنوا به ، وقوله : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ أي الذين آمنوا بمحمد وكثير منهم فاسقون يعني الذين لم يؤمنوا به ، ويدل على هذا ما روي أنه عليه السلام قال : « من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون » وخامسها : أن الصالحين من قوم عيسى عليه السلام ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ، ثم جاء بعدهم قوم اقتدوا بهم في اللسان ، وما كانوا مقتدين بهم في العمل ، فهم الذين ما رعوها حق رعايتها ، قال عطاء : لم يرعوها كما رعاها الحواريون ، ثم قال : وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ والمعنى أن بعضهم قام برعايتها وكثير منهم أظهر الفسق وترك تلك الطريقة ظاهرا وباطنا .